عبد الملك الخركوشي النيسابوري

219

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وما يتحفون به ، وعرفت المعرف له هذه الأحوال ، ورأيت المكان الذي إليه الإشارات ، فإنه هو الذي نفس الأنفاس في كل حال ؟ قلت : لا ، قال : ما وقفت بعرفات ! ! قال : نفرت إلى المزدلفة ؟ قلت : نعم ، قال : رأيت المشعر الحرام ؟ قلت : نعم ، قال : ذكرت اللّه تعالى ذكرا أنساك ذكر ما سواه ؟ قلت : لا ، قال : ما وقفت بالمزدلفة . قال ذبحت ؟ قلت : نعم ، قال : نفسك ؟ قلت : لا ، قال : ما ذبحت ! ! قال : رميت ! ! قلت : نعم ، قال : جهلك عنك ؟ قلت : لا ، قال : ما رميت ! ! قال : حلقت ؟ قلت : نعم ، قال : نفضت آمالك عنك ؟ قلت : لا ، قال : ما حلقت ! ! قال : زرت ؟ قلت : نعم ، قال : كشف لك عمن زرته ؟ قلت : لا ، قال : ما زرت ! ! قال : حللت عنده ؟ قلت : لا ، قال : ما حججت ولا زرت وعليك العودة . ورؤى بعضهم يطوف بالبيت ويقول : بضاعتى بضاعتى لا تضيعها ، وجعل يشير إلى صدره . ورؤى بعضهم يطوف ويقول : وافقراه ، فقيل : بماذا أصبت ؟ فقال : كان لي قلب ففقدته . وعن عبد العزيز بن أبي روّاد : قال : خرج قوم حجاج ومعهم امرأة تقول : أين بيت ربى ؟ فيقولون : الساعة ترينه ، فلما رأوه قالوا لها : هذا بيت ربّك عزّ وجلّ ، فخرجت تشتد وتقول : بيت ربى ، بيت ربى حتى وضعت جبهتها على البيت ، فو اللّه ما رفعت إلا ميتة . وعن زيد الهاشمي قال : بلغني أن عجوزا أعرابية تعلقت بأستار الكعبة وهي تبكى ، وتقول : إلهي تركتك وأنا رطبة ، وجئتك وأنا حشفة فاقبل الحشفة على ما كان منها . وقال عمر الصفار صاحب المحاسبي : كنت أطوف بالبيت ، فإذا أنا بأعرابى عليه أطمار رثة ، وخلفه امرأة عليها أطمار رثة فسمعت الأعرابي وقد تعلّق بأستار الكعبة وهو يقول : مؤتزر بشملة كما ترى ، وامرأتي عريانة كما ترى ، آيسة من كلّ ما عند الورى ، يا من يرى ولا يرى أما ترى ما حل بي أما ترى ، قال : وكانت معي دنانير ، فمددت يدي لأناولها إياه ، فقال : إليك عنّى ، فقد سألت من هو أبسط يدا منك ، وأبى أن يأخذها . وحكى عن مالك بن أنس رضى اللّه عنه قال : صحبت جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، فلما أردت أن يلبى تغير وجهه وارتعدت فرائصه ، فقلت له : ما لك يا ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : أردت أن ألبي ، فقلت : ما وقوفك ؟ قال : أخاف أن أسمع سوء الجواب . وقيل لفضيل بن عياض : ما تقول فيمن أراد أن يلبى فلم يمكنه ، مخافة أن يقال له : لا لبيك فقال : أرجو أنه لم يلب في ذلك الموقف أحد كتلبيته .